الغزالي

289

إحياء علوم الدين

فلنقتصر على هذا القدر من البحث ، فإن فيه مقنعا للمريد الطالب لطريق الآخرة وأما المجادل المشغب فلسنا نقصد مخاطبته الآن وحاصل الكلام أن حضور القلب هو روح الصلاة ، وأن أقل ما يبقى به رمق الروح الحضور عند التكبير فالنقصان منه هلاك ، وبقدر الزيادة عليه تنبسط الروح في أجزاء الصلاة ، وكم من حي لا حراك به قريب من ميت . فصلاة الغافل في جميعها إلا عند التكبير كمثل حي لا حراك به . نسأل الله حسن العون بيان المعاني الباطنة التي تتم بها حياة الصلاة اعلم أن هذه المعاني تكثر العبارات عنها ، ولكن يجمعها ست جمل ، وهي : حضور القلب ، والتفهم ، والتعظيم ، والهيبة ، والرجاء ، والحياء . فلنذكر تفاصيلها ثم أسبابها ثم العلاج في اكتسابها أما التفاصيل فالأول حضور القلب ، ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلم به ، فيكون العلم بالفعل والقول مقرونا بهما ، ولا يكون الفكر جائلا في غيرهما ومهما انصرف الفكر عن غير ما هو فيه وكان في قلبه ذكر لما هو فيه ولم يكن فيه غفلة عن كل شيء فقد حصل حضور القلب ، ولكن التفهم لمعنى الكلام أمر وراء حضور القلب ، فربما يكون القلب حاضرا مع اللفظ ولا يكون حاضرا مع معنى اللفظ ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو الذي أردناه بالتفهم . وهذا مقام يتفاوت الناس فيه ، إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرءان والتسبيحات . وكم من معان لطيفة يفهمها المصلى في أثناء الصلاة ولم يكن قد خطر بقلبه ذلك قبله . ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر ، فإنها تفهم أمورا تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة وأما التعظيم : فهو أمر وراء حضور القلب والفهم ، إذ الرجل يخاطب عبده بكلام هو حاضر القلب فيه ومتفهم لمعناه ولا يكون معظما له ، فالتعظيم زائد عليهما وأما الهيبة : فزائدة على التعظيم ، بل هي عبارة عن خوف منشئه التعظيم ، لأن من لا يخاف لا يسمى هائبا ، والمخافة من العقرب وسوء خلق العبد وما يجرى مجراه من